خليل الصفدي
289
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
قال الجاحظ : نظرنا في شعر القدماء والمحدثين ، فوجدنا المعاني تقلّب ووجدناها بعضا يسترق من بعض إلّا قول عنترة في الذّباب « 1 » : [ من الكامل ] وخلا الذّباب بها فليس ببارح * غردا كفعل الشّارب المترنّم هزجا يحك ذراعه بذراعه * قدح المكبّ على الزّناد الأجذم وقول أبي نواس في الكأس المصورة : قرارتها كسرى . . . الأبيات . قلت : قد ذكرت هذه الأبيات وأبيات عنترة في كتابي : « نصرة الثائر على المثل السائر « 2 » » . وبسطت الكلام على ذلك ، وذكرت ما ورد للشعراء في ذلك من النّظائر ، وذكرت هنا ما كتبه أبو الحسين الجزّار في يوم نوروز : [ من الطويل ] كتبت بها في يوم لهو وهامتي * تمارس من أهواله ما تمارس وعندي رجال للمجون ترجّلت * عمائمهم عن هامهم والطيالس / فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها * وللماء ما دارت عليه القلانس مساحب من جرّ الزّقاق على القفا * وأضغاث أنطاع جنيّ ويابس لم أر لأحد مثل هذا التضمين ولا هذا الاهتدام ، كيف نقل وصف الكأس المصوّرة إلى وصف الذين يتصافعون يوم النّوروز . ومن شعر أبي نواس ، وفيه دلالة على أنّه كان يعرف علم المنطق : [ من الطويل ] أباح العراقيّ النبيذ وشربه * وقال حرامان المدامة والسّكر وقال الحجازيّ الشّرابان واحد * فحلّت لنا من بين قوليهما الخمر وقد امتحنت بهما جماعة ، فما رأيت من يعرف معناهما ، وهو شكل من أشكال المنطق .
--> ( 1 ) في البيان والتبيين للجاحظ 3 / 326 : « قالوا : لم يدع الأول للآخر معنى شريفا ولا لفظا بهيا إلا أخذه إلا بيت عنترة . . . » ثم ساق البيت . والبيت لعنترة في ديوانه ق 21 / 23 ص 45 وديوان المعاني 2 / 148 والتشبيهات 389 ولحن العوام للزبيدي 33 وحماسة ابن الشجري 219 والحماسة البصرية 2 / 342 ( 2 ) انظر : نصرة الثائر ، صفحة 195 وما بعدها .